عمر فروخ
472
تاريخ الأدب العربي
فأمسكت ، لا مستغنيا عن نوالها * ولكن رأيت الصبر أوفى وأكتما « 1 » . - من مطلع قصة حيّ بن يقظان : ذكر سلفنا أنّ جزيرة من جزائر الهند التي تحت خطّ الاستواء يتولّد بها الإنسان من غير أمّ ولا أب . . . . لأنّ تلك الجزيرة أعدل بقاع الأرض هواء « 2 » . . . وهذا القول يحتاج إلى بيان . . . لا يليق بما نحن بسبيله . وإنّما نبّهناك عليه لأنّه من الأمور التي تشهد بصحّة ما ذكر من تجويز تولّد الإنسان بتلك البقعة من غير أمّ ولا أب . فمن ( العلماء ) من بتّ الحكم وجزم القضيّة بأنّ حيّ بن يقظان من جملة من تكوّن في تلك البقعة من غير أمّ ولا أبّ ، ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمر ( حيّ ابن يقظان ) خبرا نقصّه عليك فقال : إنّه كان بإزاء تلك الجزيرة جزيرة عظيمة متّسعة الأكناف كثيرة الفوائد عامرة بالناس يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة « 3 » . وكانت له أخت فعضلها « 4 » إذ لم يجد لها كفؤا . وكان له قريب يسمّى يقظان فتزوّجها سرّا على وجه جائز مشهور في زمنهم . ثمّ إنّها حملت منه ووضعت طفلا . فلمّا خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرّها ، وضعته في تابوت « 5 » أحكمت زمّه بعد أن أروته من الرضاع . وخرجت به في أوّل الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر - وقلبها يحترق صبابة وخوفا عليه - ثمّ إنّها ودّعته وقالت : اللّهمّ ، إنّك خلقت هذا الطفل ، ولم يكن شيئا مذكورا ، ورزقته في ظلمات الأحشاء وتكفّلت به حتّى تمّ واستوى . وأنا قد سلّمته إلى لطفك ورجوت له فضلك خوفا من هذا الملك الغشوم الجبّار العنيد . فكن له ولا تسلمه ، يا أرحم الراحمين ! ثمّ قذفت به في اليمّ . فصادف جري الماء بقوّة فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة المتقدّم ذكرها .
--> ( 1 ) النوال : العطاء ( الوصال ، نيل المأرب من المحبوب ) . ( 2 ) المقصود باعتدال المناخ على خطّ الاستواء : قلّة الفرق بين درجتي الحرارة في النهار والليل . ( 3 ) الأنفة : الاستكبار والرفض . الغيرة : الخوف من أن يحصل على الأمر من لا يليق أو من لا يستحقّ . ( 4 ) عضل الرجل المرأة : منعها أن تتزوّج . ( 5 ) تابوت : صندوق .